بناء المفاهيم الأصيلة لعلوم الأمة
أما أنها مفاهيم أصلية فذلك لأنها لا تكتفي باستعارة مدلولاتها من المصادر الغربية وحدها؛ وإنما تستدعي تلك المدلولات من معاجم اللغة العربية، والقرآن، والسنة، والتراث الإسلامي، بالإضافة إلى المصادر الغربية؛ ولذلك تكون دلالاتها أكثر اتساعًا وأكثر أصالة، وأما أن هذه المفاهيم الأصيلة هي لعلوم الأمة كلها فلأن تلك المفاهيم مفاهيم رحالة تستخدم في كل علوم الأمة، سواء العلوم الإنسانية، أم العلوم الكونية، فكل هذه العلوم بحكم تكوينها هي علوم تجمع بين هداية الوحي وهداية الكون، ولا تنفصل فيها العلوم الكونية والإنسانية عن علوم الوحي، وكذلك فإن علوم الوحي لا تنعزل عن علوم الإنسان وعلوم الكون، ومن يقرأ في العلوم الإسلامية الإنسانية والكونية في عصور الازدهار الإسلامي فسوف يجد هذا التكامل المعرفي في شتى فروع العلوم التي نشأت وترعرعت في أحضان هداية الإسلام قرآنًا وسنًة، ولا نجد فيها الفصل النكد بين الجانب المادي والجانب الروحي، أو هداية الكون، وهداية الوحي، ولو رجعنا إلى مؤلفات المسلمين في مجال جميع العلوم الدينية، أو العلوم الإنسانية، أو العلوم الكونية لوجدنا تكامل هذه المعارف جميعًا، تندمج بل تمتزج في عقل المسلم وروحه وإنتاجه العلمي، هكذا طوال عصور الازدهار الإسلامي، حتى تمكنت الحضارة الغربية من ترسيخ منظومتها المعرفية والحضارية والقيمية على العالم؛ حيث هيمنت عليه مفاهيمها وأفكارها الحداثية منبتة الصلة بالثقافات الشرقية. وفي إطار جهود بعث الذاتية الثقافية الإسلامية وجودًا وروحًا، جاء مشروع المعهد العالمي للفكر الإسلامي من خلال هذا العمل؛ حيث يسعى كتاب “بناء المفاهيم” لتشييد بُنى معرفية جادة وأصيلة عبر إحياء مجموعة من المفاهيم المرتبطة بحقول علمية وثقافية متنوعة. يستهدفُ الكتابُ بمجلديه الذي يضم ستة عشر فصلًا، إعادةَ تفكيك وتركيب مجموعةٍ من المفاهيم التي فُرّغتْ من مضمونها الحضاري الإسلامي وغُمرتْ بمحتوى حداثي مستورد لا يناسب البيئة الإسلامية وهو ما جاء في الفصل الأول “مفهوم الدين”، والفصل الثاني “مفهوم المعرفة”، والفصل الثالث “مفهوم الإنسان”، والفصل الرابع “مفهوم العالِم”، والفصل الخامس “مفهوم المتعلم”، والفصل السادس “مفهوم الأخلاق”، والفصل السابع “مفهوم السلام في القرآن”، والفصل الثامن “مفهوم الأصولية”، فقد تعرضت المفاهيم السابقة لعملية ممنهجة من التحريف والتزييف الذي يبتغي تفريغها من وجودها وتحويلها لجسم موات بلا أدنى فاعلية، وهو ما سعت فصول الدراسة لمعالجته بعملية حفرية غايتها الوصول لأصول تشكّل تلك المفاهيم في الخبرة الإسلامية. ولأن الأُمة الوسط القطب هي الأمة التي تكون في مقدمة المعارك الفكرية والمعرفية لتكون شهيدة على الناس بما تبلغهم من رسالات ربها، فقد كان سعي الكتاب لتقديم وجهة نظر إسلامية في مفاهيم شائكة، فكان “مفهوم الإعلام” في الفصل التاسع، و”مفهوم الدولة” في الفصل العاشر. كما ركّز الكتاب على العمل على تقديم حلول يُمكن أن تنقذ الواقع المأزوم للاقتصاد العالمي، ففضلت الدراسةُ إحياءَ مجموعة من المفاهيم ذات الصبغة الإسلامية التي لربما كان للنقاش حولها أثر في تقديم أفكار خارج صندوق العلمانية وقفص الحداثة الحديدي، وهو ما تناولته الفصول: الحادي عشر “مفهوم الاقتصاد”، والثاني عشر “مفهوم الاستخلاف”، والثالث عشر “مفهوم الإعمار”، والرابع عشر “مفهوم التمويل”، والخامس عشر “مفهوم الرشد الاقتصادي”. وتختتم الدراسة الموسوعية فصولها بتقديم وجهة نظر إسلامية في الفصل السادس عشر فيما يخص “مفهوم حقوق الإنسان”. وأكثر ما يُميز الكتاب الذي بين أيدينا هو اعتماده على منهجية علمية واضحة لبناء المفاهيم، بما يمكّن من الاعتماد عليها في تأصيل المزيد والمزيد من علوم الأمة بما يحقق تراكمية العلم، وبما يحفظ للأمة ديمومتها، فهو دعوة للنقاش والتفاعل الفكري بين أبناء الأمة المهمومين بقضية استعادتها لريادتها العلمية والحضارية، ويمتاز بتعدد القراءات التي يُقدمها في العلوم الاجتماعية، إذ كتبها مجموعة من الأساتذة المتخصصين في مجالاتهم، يأتي في مقدمتهم الأستاذ الدكتور السيد عمر، والأستاذ الدكتور عبد الرحمن النقيب، والدكتور محمد عبد الصالحين، والدكتورة نعمت مشهور، وغيرهم من المفكرين والأساتذة.